أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
163
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
2048 - ترى السّفيه به عن كلّ محكمة * زيغ وفيه إلى التّشبيه إصغاء « 1 » قلت : ومثله قول الآخر : 2049 - تصغي إذا شدّها بالرّحل جانحة * حتّى إذا ما استوى في غرزها تثب « 2 » وتقول : أصغى فلان بأذنه إلى فلان ، وأنشد على « أصغى » المتعدي قول الآخر : 2050 - أصاخ من نبأة ، أصغى لها أذنا * صماخها ، بدخيس الرّوق مستور « 3 » قلت : وفي الحديث « فأصغى لها الإناء » « 4 » ، وهذا الذي زعمه من كون « صغي » و « أصغى » أو « صغا » يكون لازما غير موافق عليه ، بل قد حكى الراغب أنه يقال : صغيت الإناء وأصغيته . وصغيت - بكسر الغين - يحتمل أن يكون من ذوات الياء ، ويحتمل أن يكون من ذوات الواو ، وإنما قلبت الواو ياء ، لانكسار ما قبلها ، ك « قوي » وهو من القوّة . وقرأ النّخعي والجراح بن عبد اللّه : « ولتصغي » من « أصغى » رباعيا ، وهو هنا لازم . وقرأ الحسن : ولتصغى ، وليرضوه ، وليقترفوا » بسكون اللام في الثلاثة . وقال أبو عمرو الداني : « قراءة الحسن إنّما هي : « ولتصغي » بكسر الغين » . قلت : فتكون كقراءة النّخعي . وقيل : قرأ الحسن « لِتَصْغى » بكسر اللام كالعامة ، « وليرضوه ، وليقترفوا » بسكون اللام . وخرجوا تسكين اللام على أحد وجهين : إمّا أنها لام « كي » ، وإنما سكنت إجراء لها مع ما بعدها مجرى « كبد ، ونمر » . قال ابن جني : وهو قوي في القياس شاذ في السماع » . « والثاني : أنها لام الأمر . وهذا وإن تمشى في : ليرضوه ، وليقترفوا » ، فلا يتمشى في « وَلِتَصْغى » إذ حرف العلة يحذف جزما . قال أبو البقاء وليست لام الأمر ، لأنه لم يجزم الفعل » . قلت : قد ثبت حرف العلة جزما في المتواتر في مواضع ، فمنها : أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ « 5 » ، إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ « 6 » ، سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى « 7 » ، لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى « 8 » ، وفي كل ذلك تأميلات ستقف عليها - إن شاء اللّه تعالى - فلتكن هذه القراءة الشاذة مثل هذه المواضع ، والقول بكون لام « لِتَصْغى » لام « كي » سكنت لتوالي الحركات ، واللامين بعدها لامي أمر بعيد وتشه . وقال النحاس : ويقرأ : « وليقترفوا » - يعني بالسكون - قال : وفيه معنى التهدد . قلت : يريد أمر تهديد ، كقوله : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ، ولم يحك التسكين في « لِتَصْغى » ولا في « لِيَرْضَوْهُ » . و « ما » في « ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ » موصولة اسمية ، أو نكرة موصوفة ، أو مصدرية ، والعائد على القولين الأولين محذوف ، أي : ما هم مقترفوه . قال أبو البقاء : « وأثبت النون لما حذفت الهاء » . يريد أن الضمير المتصل باسم الفاعل المثنى والمجموع على حده ، تحذف له نون التثنية والجمع ، نحو : « هذان ضارباه ، وهؤلاء ضاربوه » . فإذا حذف الضمير
--> ( 1 ) انظر البيت في اللسان ( صغا ) تفسير القرطبي ( 7 / 69 ) ، تفسير الطبري ( 12 / 58 ) . ( 2 ) البيت لذي الرمة انظر ديوانه ( 1 / 48 ) ، الكتاب ( 3 / 60 ) ، مجاز القرآن ( 1 / 205 ) ، التهذيب ( 8 / 160 ) ، ( صغا ) . ( 3 ) البيت للنابغة الذبياني انظر ديوانه ( 72 ) ، البحر المحيط ( 4 / 205 ) . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) سورة يوسف ، آية ( 12 ) . ( 6 ) سورة يوسف ، آية ( 90 ) . ( 7 ) سورة الأعلى ، آية ( 6 ) . ( 8 ) سورة طه ، آية ( 77 ) .